فوضى السكون ... !!!
كانت (محاسن) قد فارقها بعلها من شهورٍ معدودات بعد أن كثرت عنها الأقاويل وهمس الهامسين ولا يعرف الحزن طريقاً لها، فقد كانت مقبلةٌ على الدنيا بأجنحةٍ مشرعة ! مترعةٌ بالأنوثة حد التخمة وتقتحمك أنوثتها وضح النهار فسرعان ماتهزم وقارك شرّ هزيمة ! وهي مقبلةٌ عليك (شايلة الفاتحة!) لا تنفك تنظرإليها في بلاهةٍ محمومةٍ مشحونةٍ برغبة الدنيا كلها !! وحين تدبر راحلة لا يغشاك الأدب والوقار في تفصحها ! تدعوك في حالتيها لمصادقة ملائكة المتعة أو شياطينها !! والحال كذلك يشتهيها الكثيرون في دواخلهم ويختبئون خلف سحابةٍ مثقوبةٍ حذر الناس ! ومن بين الذين يمطرونها بنظرةٍ تفضح ما يريد (ود الصافي) كان مستعداً للتنازل عن ملحمته العتيقة قرباناً لرضاها ولو ليومٍ واحد !
: ـ ما بلقى لي فد عصريّة معاك ؟؟ : ـ نجوم السماء اقرب ليك !! تجيبه في تحدٍ ! وقد تترك ما اشترته منه أمامه وتولي الأدبار !!! وحينها فقط يعض يده اليمنى في ألمٍ لذيذ ثم يرسل صبيه بما تريد وزيادة ! كانت لا تطيقه من بين خلق الله الذين عرفتهم أجمعين. وقفت ذلك الليل تلاصق الحوش الخلفي وتدفعها ثمارٌ لم تكن حصاناً من أكف اللامسين رويداً عنه وهي في محاولتها أن تهمس همساً : ـ : ـ سيف !! لكن ما.. بت .. باااالغ ؟؟ : ـ هه هه هها أنا .. ود .. باااالغ !!! وحين هدأآ من ضحكتيهما المكبوتتين تسوّرعليها فكانت رجفة اليديّن والشفتّين والقدميّن وصدق هنالك الهامسون !! ساعتان من الفحيح الملتهب المحموم دون نقصان لم تكن فيه من الزاهدات !! مات والدها وهو يصارع السيل مع الرجال في الخريف المشئوم منذ عشرة أعوام وأقعد المرض أمها بعد زواج إبنيها الكبيرين وحين طلقها زوجها عقب دخوله بشهرٍ واحد لم يذق فيه كل عسيلتها تنفست الصعداء .. وكان غيابه عن الديار فيه الشفاء له فحمل أمتعته وولى دون عنوان ! والحديث عن النساء عندهم مثل أكل ( الموليته ) حارق ومر لكنه لذيذ- كما يذكرعبدالعزيز ساكن- ولعله يشدهم دوماً الى (محاسن) وصويحباتها..!! غادرها مأسوفاً على الزمن الذي هرب من بين أصابعه كالبرق ! كانت تميزه عن الباقين دوماً فهو الوحيد الذي تعلّم كثيراً عندهم واحتضنته (الخرتوم) أربعة أعوام كاملة قضاها في دراسته ثم مسترزقاً في ذلك البنك العتيق حتى تدخل الوزير البهلول وأقاله مع الكثيرين ! لذا كان إحساسها دوماً بأنه لا ينتمى لهذا المكان وهولا تنقصه الوقاحة معها أحياناً حينما يختلي بها وتسعد هي بما يقول !!! تحسس طريقه جيداً في ذلك السكون المشحون بكل شئ ونسى ما تجرعه من كؤوس في بيت ( الله معانا) ثم استعاد وعيه بالأشياء من حوله ! لم تتجاوز الساعة عندهم التاسعة مساءاً ويرجع الصدى بعض النداءات البعيدة من هناك ومن هنا !! توجه قاصداً (مأمون) قابله منفعلاً يسب ويلعن في ّ حظه العاثر هذه الليلة وضحكات اللاعبين للورق تتبعه بعد خسرانه جولتين بالتمام والكمال !! : ـ أبت تمشي معاي الليلة !!!: ـ منو دي ؟؟: ـ الكشتينة يا خي قايلة بت ؟؟ ( إنت جاي من وين ؟) زفر بعضاً مما يحتبسه صدره المتخم بالأسرار ثم سرت فيهما قشعريرة البوح الشفيف فكان الذي كان بعد أن سكبوا النبيذ على النبيذ !! أتتهم ( إقبال ) بالعشاء وشيئٍ من ماءٍ قليل !! كانت تتحين فرصتها ثم تتورد وجنتيها المنتفختين بنونيتين ساحرتين !! لا مكان عندها لمغامراتٍ لا تحمد عواقبها !! فهي وإن كانت تهيم به عشقاً يشدّها دوماً خوفها الميمون من القيل والقال وكثرة السؤال ! فوضعت ما بيديها المرتجفتين وأشاحت بوجهها المتورد بماء الحياء !! في محياه قسوةٌ لا تقودك مطلقاً لما في دواخله ، يسارع ( ود الصافي ) دوماً قبيل بزوغ الفجرعندهم يتبعه صبيه (فال النبي) ممسكاً بكل أدواته بيدٍ واحدة وهو الذي وهبه الله بسطةً في الجسم والصوت دون العلم ! يبتاعه الناس بعض ذبائحه حين تضيق بهم الدنيا وكم كانت تضيق ! فيأتونه بالمتردية والنطيحة ولا يفوتهم أن يرتلوا أمامه- إلاماذكيتم- !! فيضجعها وترى الودق يخرج من خلال الوريد الى الوريد !! يمازحهم دون كلفة ويؤثر بعضهم حد الفضيحة : ـ : ـ سيف آآخوي صاحبك لا تناسبو ولا تديّن منو ؟؟؟ يبادله الحب بالحب كما الآخرين وكم يستهويه المرور عليه ثم يحمل ما تبقى من عظام تبشرهم بليلٍ ذي شجون يهيئون له البدايات الندية في وجل ثم ينسرب الضياء ويلفهم ليل السكون ولا يعلمون متى انتهى ولمَ انتهى ثم كيف !!!

